ابن كثير

15

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الركبان تخوفا على أمر الناس ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك ، فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه ، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة ، وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أصحابه ، حتى بلغ واديا يقال له ذفران ، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس وأخبرهم عن قريش ، فقام أبو بكر رضي اللّه عنه فقال ، فأحسن . ثم قام عمر رضي اللّه عنه فقال ، فأحسن . ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول اللّه امض لما أمرك اللّه به ، فنحن معك واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ، يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ودعا له بخير . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أشيروا علي أيها الناس » وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم كانوا عدد الناس ، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة ، قالوا : يا رسول اللّه إنا برآء من زمامك حتى تصل إلى دارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في زمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم ، فلما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك قال له سعد بن معاذ : واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ؟ قال : « أجل » فقال آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أمرك اللّه فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ، ولعل اللّه يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللّه . فسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال « سيروا على بركة اللّه وأبشروا فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم » « 1 » وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا ، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف ، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق .

--> ( 1 ) انظر الأثر في تفسير الطبري 6 / 184 ، 185 ، وسيرة ابن هشام 1 / 606 ، 607 .